الجاحظ
167
رسائل الجاحظ
أعثارهم ، وإنما يكتب على الخصوم الاكفاء وللأولياء على الأعداء ، ولمن يرى للنظر حقا وللعلم قدرا وله في الانصاف مذهب وإلى المعرفة سبب . وزعمت أنك لم تر في كتب أصحابنا إلا كتابا لا تفهمه أو كتابا وجدت الحجة على واضع الكتاب فيه أثبت . وقلت : وإياك أن تتكل على مقدار ما عندهم دون أن تعتصر قوى باطلهم وتوفيهم جميع حقوقهم وإذا تقلدت الأخبار عن خصمك فحطه كحياطتك لنفسك ، فإن ذلك أبلغ في التعليم وآيس للخصوم . وقلت : وزعموا أنه يلزمك أن تزعم أن القرآن ليس بمخلوق إلا على المجاز كما ألزم ذلك نفسه معمر وأبو كلدة وعبد الحميد وثمامة وكل من ذهب مذهبهم وقاس قياسهم . فتفهم فهمك اللّه تعالى ما أنا واصفه لك ومورده عليك . [ 5 - نقد من يقول إن القرآن مخلوق على المجاز ] اعلم أن القوم يلزمهم ما ألزموه أنفسهم ، وليس ذلك إلا لعجزهم عن التخلص بحقهم وإلا لذهابهم عن قواعد قولهم وفروع أصولهم ، فليس لك أن تضيف العجز الذي كان منهم إلى أصل مقالتهم وتحمل ذلك الخطأ على غيرهم ، فرب قول شريف الحسب جيد المركب وافر العرض بريء من العيوب سليم من الأفن قد ضيعه أهله وهجنه المفترون عليه ، فألزموه ما لا يلزمه وأضافوا إليه ما لا يجوز عليه . ولو زعم القوم على أصل مقالتهم أن القرآن هو الجسم دون الصوت والتقطيع والنظم والتأليف وأنه ليس بصوت ولا تقطيع ولا تأليف ، إذ كان الصوت عندهم لا يخترع كاختراع الأجسام المصورة ولا يحتمل التقطيع كاحتمال الاجرام المتجسدة ، والصوت عرض لا يحدث من جوهر إلا بدخول جوهر آخر عليه ، ومحال أن يحدث إلا وهناك جسمان قد صك أحدهما صاحبه ، ولا بد من مكانين مكان زال عنه ومكان زال إليه ، ولا بد من هواء بين المصطكين . والجسم قد يحدث وحده ولا شيء غيره ، والصوت على خلاف ذلك . والعرض لا يقوم بنفسه ولا بد من أن يقوم بغيره ، والاعراض من أعمال الأجسام لا تكون إلا منها ولا توجد إلا بها وفيها ، والجسم لا يكون إلا من جسم ولا يكون إلا من مخترع